الجصاص
46
الفصول في الأصول
وكذلك الصناعات . وكانت سائر الناس إنما يأخذون أخبار زرادشت وأمر الدين عن قوم بأعيانهم ، يجوز عليهم التواطؤ على الكذب ، فلم يثبت بأخبارهم صحة ما أخبروا عنه مما ادعوه . ولما كان قول زرادشت : إن لله ضدا مغالبا في ملكه ، مع ما يضيفون إليه من الأمور القبيحة الفاحشة التي قامت أدلة العقول : أن أنبياء الله تعالى لا يعتقدونها . علمنا أنه كان كذابا مخرفا ، ولم يكن الله تعالى ليظهر المعجزات على يديه . فإن قال قائل : كيف يكون الإخبار حجة والمخبرون بها هم الذين تولوها ، ومتى شاؤوا اخترعوها ، وأخبروا بها ، وإنما الحجة فيما يعجز الخلق عنه ، فأما ما كان في مقدورهم ويمكنهم اختراعه والإخبار به كيف شاءوا ، فإنه غير موثوق به ولا حجة فيه . قيل له : لم نقل : إن الأخبار في أنفسها هي الموجبة للعلم بصحة مخبرها من حيث كانت أخبارا ، حتى يلزمنا ما ذكرت ، وإنما قلنا : إنها متى قارنها أحوال ليست هي من أفعال المخبرين بل ، الله المتولي لها وواضعها على ما هي عليه ، حتى خالف بين أسباب المخبرين وعللهم ، وأجرى العادة بامتناع وجود الأخبار منهم عن أمر ذكروا : أنهم شاهدوه اضطرارا ، من غير أن تكون له حقيقة ، فالحجة ( 1 ) إنما لزمت بالأخبار من هذه الجهة . فإن قيل : إن افتعال الكذب جائز على كل واحد من هؤلاء المخبرين ، لم يكن اجتماعهم على الإخبار به مما يؤمننا كذبهم فيه . قيل له : لا يجب ذلك من وجهين : أحدهما : أن حكم ذلك لما كان مأخوذا من الشاهد وما يجوز على حسب ما امتحنا من أحوال الناس ، فوجدنا الجماعات التي وصفنا شأنها ، يمتنع جواز اختراع الكذب عليها في شئ بعينه أخبرت به عن مشاهده ، ( 2 ) مع بقاء العادات على ما هي عليه ، علمنا أن مثله لا يجوز إلا صدقا ، وأن مخبره واقع على ما أخبروا به ، ولهذه العلة بعينها جوزنا الكذب على كل واحد منهم ، إذا انفرد بخبر ، ولم تقم دلالة على امتناع وقوع الكذب منه ، فرجعنا في الأمرين جميعا إلى ما اقتضته أحوال الشاهد ، وخبران ( 3 ) العادة ، فجوزنا ( 4 ) منه ما أجازته ، ومنعنا منه ما منعته .